اسماعيل بن محمد القونوي
405
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
غير مقدور للبشر فضلا عن الجواز وصيغة الترجي إما لكونه عادة العظماء من البيان بالطمع والترجي في مقام الجزم والقطعي أو لكونه يمكن المناقشة في عدم دخول أمثال ذلك تحت التكليف بعدم الالتفات إلى سببها أو توطين النفس على الصبر عليها أو استغراق ملاحظة جلال اللّه تعالى وجماله بحيث لا يخطر بباله ما سواه وكل ذلك منقول من كبار السالكين الواصلين . قوله : ( ولقد بكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ولده إبراهيم ) يجوز أن يكون بكاء رسول اللّه عليه السّلام وحزنه إعلاما بالجواز للأمة لا لعدم الصبر على الكربة والمصيبة فلا ينافي ما سبق منا من التحقيق الوفية . قوله : ( وقال القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون ) القلب أي جنسه وكذا العين أي جنسه فيدخل قلب المنيف دخولا أوليا أو قلبي وعيني على أن اللام عوض عن المضاف إليه أو للعهد الخارجي ويحتمل أن يراد قلب غيره وعين غيره عليه السّلام رمزا إلى أنه عليه السّلام مستغرق لمعرفة اللّه تعالى وصفاته العلى بحيث لا يخطر بباله ما سوى ويؤيده قوله عليه السّلام : « وإنا عليك » بصيغة المتكلم مع الغير ويكون بكاؤه حينئذ بكاء الإجلال والخشية لا بكاء الكربة والمصيبة ألا يرى أن واحدا من كبار أمته ابن الفارض قال ولو خطرت لي في سواك إرادة على خاطري سهوا حكمت بردتي فكيف يقال إنه خطر في خاطره المنيف ما سواه فمنعه عن ملاحظة جلاله وجماله واللّه أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب . قوله : ( مملوء من الغيظ على أولاده ممسك له في قلبه لا يظهره ) مملوء من الغيظ قيل ففيه استعارة مكنية وتخييلية ممسك له في قلبه ولا يظهره ومع ذلك لا يمنعه طرفة عين عن الذكر والفكر بانشراح صدره وفسخه قلبه بحيث يسع مناجاة الحق والتوجه إلى الخلق . قوله : ( فعيل بمعنى مفعول كقوله : وَهُوَ مَكْظُومٌ [ القلم : 48 ] من كظم السقاء إذا أشده على ملئه ) وبهذا يظهر وجه كون فهو كظيم استعارة مكنية وتخييلية لكن بقي الكلام في أنه ذكر فيه الطرفين على ما هو الظاهر فكيف ساغ الاستعارة ويمكن في دفعه العناية قوله على ملئه أي ملأنا . قوله : ( أو بمعنى فاعل كقوله : وَالْكاظِمِينَ [ آل عمران : 134 ] من كظم الغيظ إذا اجترعه ) والمعنى حينئذ فهو كظيم أي شديد التجرع للغيظ أو الحزن لأنه شكى إلى الملك الأعلى ولم يشك إلى غير المولى . قوله : ممسك له في قلبك لا يظهره معنى الإمساك وعدم الإظهار مستفاد من أصل معنى الكظم فإنه من كظم السقاء إذا شده فإنه إذا شد فم السقاء يكون ما فيه مستورا مخفيا قوله من كظم الغيظ إذا اجترعه فعلى هذا أيضا فيه معنى الستر والاخفاء . قوله : أي لا تفتأ يريد أن لفظ لا محذوف مقدر قبل تفتؤ أي لا تزال تذكر يوسف .